محمد بن جرير الطبري

339

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

فإن قال قائل : فكيف قيل : " ولكن البر من آمن بالله " ، وقد علمت أن " البر " فعل ، و " مَنْ " اسم ، فكيف يكون الفعل هو الإنسان ؟ قيل : إن معنى ذلك غيرَ ما توهمته ، وإنما معناه : ولكنّ البرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر ، ( 1 ) فوضع " مَنْ " موضع الفعل ، اكتفاءً بدلالته ، ودلالة صلته التي هي له صفةٌ ، مَنْ الفعل المحذوف ، كما تفعله العرب ، فتضع الأسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة ، فتقول : " الجود حاتم ، والشجاعة عنترة " ، و " إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة " ، ومعناها : الجُود جود حاتم فتستغني بذكر " حاتم " إذ كان معروفًا بالجود ، من إعادة ذكر " الجود " بعد الذي قد ذكرته ، فتضعه موضع " جوده " ، لدلالة الكلام على ما حذفته ، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره . ( 2 ) كما قيل : ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ) [ سورة يوسف : 82 ] والمعنى : أهل القرية ، وكما قال الشاعر ، وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي : حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ! . . . وَمَا هي ، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ ( 3 ) يريد : بُغَامَ عنَاق ، أو صوتَ [ عناق ] ، ( 4 ) كما يقال : " حسبت صياحي أخاك " ، يعني به : حسبتَ صياحي صياحَ أخيك . * * * وقد يجوز أن يكون معنى الكلام : ولكن البارَّ مَنْ آمن بالله ، فيكون " البر " مصدرًا وُضع موضعَ الاسم . ( 5 ) * * *

--> ( 1 ) في المطبوعة : " ولكن البر كمن آمن بالله " وهو خطأ محض ، صوابه ما أثبت . ( 2 ) انظر ما سلف : 2 : 61 ، 359 وهذا الجزء 3 : 334 . ( 3 ) سلف تخريجه في هذا الجزء 3 : 103 تعليق : 3 . ( 4 ) الزيادة بين القوسين لا بد منها . ( 5 ) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن : 65 ، وذكره الفراء في معاني القرآن 1 : 104 .